فصل: الفتاوى القرآنية

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي للفتاوي ***


الفتاوى القرآنية

سورة الفاتحة

مسألة‏:‏

وجد في بعض التفاسير في قوله في سورة الفاتحة افتتح سبحانه كتابه بهذه السورة لأنها جمعت جميع مقاصد القرآن ولذلك من أسمائها أم القرآن وأم الكتاب والأساس فصارت كالعنوان، والمقصود بيان ذلك على وجه التفصيل والتبيين‏.‏

الجواب‏:‏

هذا الكلام قد تكلمت عليه في عدة من تصانيفي منها الإتقان في علوم القرآن ومنها الإكليل في استنباط التنزيل ومنها قطف الأزهار في كشف الأسرار ومنها حاشية البيضاوي، وأنا ألخص ذلك هنا فأقول قال العلماء إنما افتتح سبحانه كتابه بهذه السورة لأنها جمعت جميع مقاصد القرآن فناسب الافتتاح بها لأنها تصير كبراعة الاستهلال وهي الاتيان أول الكلام بما يدل على المقصود على وجه الإجمال وكالعنوان والمراد بالعنوان نوع من أنواع البديع يسمى بذلك قال ابن أبي الأصبع في بدائع القرآن العنوان أن يأخذ المتكلم في غرض فيأتي لقصد تكميله وتأكيده بأمثلة في ألفاظ تكون عنوانا لأخبار متقدمة وقصص سالفة ومنه نوع عظيم جدا وهو عنوان العلوم بأن يذكر في الكلام ألفاظ تكون مفاتيح العلوم ومداخل لها- هذا كلام ابن أبي الأصبع، والفاتحة لكونها جامعة لجميع مقاصد القرآن وفيها الإشارة إلى جميع الأخبار المتقدمة من بدء الخلق والأمم السالفة من اليهود والنصارى وغيرهم وفيها الإشارة إلى مفاتيح العلوم ومداخلها من أصول الدين والفقه والتصوف وهذه العلوم الثلاثة هي أجل العلوم فإن الأول هو الذي يصح به الإيمان والثاني هو الذي تصح به الأعمال والثالث هو الذي تتم به محاسن الأخلاق ويصل إلى حضرة الخلاق وما عدا هذه من العلوم كالوسيلة لها فلما جمعت الفاتحة هذه كانت جديرة بأن تكون عنوان القرآن بالتقرير الذي ذكره ابن أبي الاصبع‏.‏

القذاذه في تحقيق محل الاستعاذة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى‏.‏ وقع السؤال عما يقع من الناس كثيرا إذا أرادوا إيراد آية قالوا قال الله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويذكرون الآية هل ‏(‏بعد‏)‏ هذه جائزة قبل الاستعاذة أم لا وهل أصاب القارئ في ذلك أو أخطأ‏.‏

فأقول الذي ظهر لي من حيث النقل والاستدلال أن الصواب أن يقول قال الله تعالى ويذكر الآية ولا يذكر الاستعاذة فهذا هو الثابت في الأحاديث والآثار من <ص < فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين فمن بعدهم- أخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن أنس قال: قال: أبو طلحة يا رسول الله إن الله يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وإن أحب أموالي إلي بيرحاء الحديث، وأخرج عبد بن حميد والبزار عن حمزة بن عبد الله بن عمر قال: قال عبد الله بن عمر حضرتني هذه الآية: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) فذكرت ما أعطاني الله فلم أجد أحب إلي من جارية لي رومية فأعتقتها، وأخرج ابن المنذر عن نافع قال كان ابن عمر يشتري السكر فيتصدق به فنقول له لو اشتريت لهم بثمنه طعاما كان أنفع لهم فيقول إني أعرف الذي تقولون لكن سمعت الله يقول (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وإن ابن عمر يحب السكر، وأخرج الترمذي عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ملك زادا وراحلة ولم يحج بيت الله فلا يضره مات يهوديا أو نصرانيا وذلك بأن الله تعالى يقول ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الله قضى على نفسه أنه من آمن به هداه ومن وثق به نجاه" قال الربيع وتصديق ذلك في كتاب الله (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط المستقيم) وأخرج ابن أبي حاتم عن سماك بن الوليد أنه سأل ابن عباس ما تقول في سلطان علينا يظلمونا ويعتدون علينا في صدقاتنا أفلا نمنعهم قال لا الجماعة الجماعة إنما هلكت الأمم الخالية بتفرقها أما سمعت قول الله (واعتصموا بجبل الله جميعا ولا تفرقوا) وأخرج أبو يعلى عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تستضيئوا بنار المشركين) قال الحسن وتصديق ذلك في كتاب الله (يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم) وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الجمعة (هي كفارة إلى الجمعة <ص < التي تليها وزيادة ثلاثة أيام وذلك لأن الله يقول من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) والأحاديث والآثار في ذلك أكثر من أن تحصر فالصواب الاقتصار على إيراد الآية من غير استعاذة اتباعا للوارد في ذلك فإن الباب باب اتباع، والاستعاذة المأمور بها في قوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ) إنما هي عند قراءة القرآن للتلاوة أما إيراد آية منه للاحتجاج والاستدلال على حكم فلا، وأيضا فإن قوله "قال الله تعالى بعد أعوذ بالله" تركيب لا معنى له وليس فيه متعلق للظرف وإن قدر تعلقه بقال ففيه الفساد الآتي، وإن قال: قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وذكر الآية ففيه من الفساد جعل الاستعاذة مقولا الله وليست من قوله، وإن قدم الاستعاذة ثم عقبها بقوله قال الله وذكر الآية فهو أنسب من الصورتين غير أنه خلاف الوارد وخلاف المعهود من وصل آخر الاستعاذة بأول المقروء من غير تخلل فاصل ولا شك أن الفرق بين قراءة القرآن للتلاوة وبين إيراد آية منه للاحتجاج جلي واضح.

مسألة:

إذا قرأ كلمة ملفقة من قراءتين كالرحيم مالك بالإدغام مع الألف وترى الناس سكرى بترك الألف وعدم الإمالة هل يجوز أم لا وإذا قلتم يجوز فهل ذلك جائز سواء أخل بالمعنى أم لا غير نظم القرآن كقوله لقضى إليهم أجلهم ببناء الفعل للمفعول مع نصب اللام أم لا، وما معنى قولهم القراءة سنة متبعة.

الجواب:

الذي اختاره ابن الجزري في النشر أنه إن كانت إحدى القراءتين مترتبة على الأخرى منع التلفيق منع تحريم كمن يقرأ (فتلقى آدم من ربه كلمات) برفعهما أو بنصبهما ونحو ذلك مما لا يجوز في العربية واللغة وإن لم يكن كذلك فرق فيه بين مقام الرواية وغيرها فيحرم في الأول لأنه كذب في الرواية وتخليط ويجوز في التلاوة - هذا خلاصة ما قاله ابن الجزري، وذكر ابن الصلاح والنووي أن التالي ينبغي له أن يستمر على قراءة واحدة مادام الكلام مرتبطا فإذا انقضى ارتباطه فله أن يقرا بقراءة أخرى، وهذا الإطلاق محمول على التفصيل الذي ذكره ابن الجزري وأما قولهم القراءة سنة متبعة فهذا أثر عن زيد بن ثابت أخرجه سعيد بن منصور في سننه وغيره قال البيهقي في تفسيره أراد أن اتباع من قبلنا في الحروف سنة ولا تجوز مخالفة المصحف الذي هو إمام ولا مخالفة القراءات التي هي مشهورة وإن كان غير ذلك سائغا في اللغة انتهى.

مسألة:

الحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن الشريد بن سويد قال رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالس هكذا وقد اتكأت على الية يدي اليسرى ووضعتها خلف ظهري فقال "أتقعد قعدة المغضوب عليهم" من هم المغضوب عليهم هل هم المذكورون في قوله تعالى (غير المغضوب عليهم).

الجواب:

نعم المراد بالمغضوب عليهم في الحديث المذكورون في سورة الفاتحة وهم اليهود وقد أورده النووي في شرح المهذب مستدلا به على كراهة هذه القعدة لفعل اليهود لها وأورد بعده حديث البخاري عن عائشة أنها كانت تكره أن يجعل الرجل يده في خاصرته وتقول أن اليهود تفعله فدل على أن المقصود كراهة التشبه باليهود في كيفية قعودهم.

سورة البقرة

مسألة‏:‏

في قول الإمام البيضاوي في إعراب قوله تعالى ‏(‏الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور‏)‏ يصح أن تكون هذه الجملة مستأنفة ويصح أن تكون حالا من المستكن في ولي أو من الموصول أو منهما، بين لنا كيف صيغة الحال على كل‏.‏

الجواب‏:‏

من القواعد المقررة في العربية أن صاحب الحال والحال يشبهان المبتدأ والخبر فلذلك السبب يجوز أن يكون صاحب الحال واحدا ويتعدد حاله كما يكون المبتدأ واحد والخبر متعدد ويجوز أن يكون صاحب الحال متعددا والحال متعدد أو متحد ويشترط وجود الرابط لكل من الضابطين كما يشترط وجود الرابط لكل من المبتدأين، ومن القواعد المشهورة حتى في الألفية أن الحال يأتي من المضاف إليه إذا كان المضاف عاملا فيه كما قال‏:‏

ولا تجز حالا من المضاف له *** إلا إذا اقتضى المضاف عمله

إذا تقرر ذلك فالوجه الأول وهو أنه حال من الضمير المستكن في ولي وهو الذي رجحه أبو حيان في البحر فإن صيغة ولي صفة مشبهة وفيه ضمير الفاعل هو الأوضح والحال تأتي من الفاعل كثيرا، وتقدير الكلام الله ولي المؤمنين حال إخراجه إياهم من الظلمات أو حال كونه مخرجا لهم أي مولاهم حيث أخرجهم والحال قيد في العامل فجملة الإخراج حال مبينة لهيئة التولي وضمير يخرج المستتر فيه هو الرابط لجملة الحال بصاحبها وإنما جعل من ضمير ولي لا من نفس ولي لأنه واقع خبرا عن المبتدأ والقاعدة أن الحال لا تأتي من الخبر بل من الفاعل أو المفعول أو ما كان في معناهما وهو المضاف إليه بشرطه أو المبتدأ على رأي وأما الخبر فلا يأتي منه الحال فلذلك عدل إلى الضمير الذي هو فاعله‏.‏ والوجه الثاني وهو أنها حال من الموصول واضح أيضا لأنه مجرور بإضافة الصفة المشبهة إليه فهو من قاعدة ما كان المضاف عاملا فيه وهو في معنى المفعول ولهذا لو جئت بدل الصفة المشبهة بالفعل ظهرت المفعولية فيقال الله تولى الذين آمنوا فيكون الذين مفعولا والحال يأتي من المفعول وتقدير الكلام الله ولي المؤمنين حال كونهم مخرجين بهدايته من الظلمات فإذا قدرت الحال من ضمير ولي كانت في تقدير مخرجا بالكسر اسم فاعل وإذا قدرتها من الذين الذي هو في معنى المفعول كانت في تقدير مخرجين بالفتح اسم مفعول‏.‏ والوجه الثالث واضح أيضا وهو أنها حال منهما معا فإن فيها رابطين رابط بالأول وهو ضمير يخرج المستتر الذي هو فاعل ورابط بالثاني وهو ضمير الذين آمنوا الذي هو مفعول يخرج وهو هم وتقدير الكلام على هذا الله ولي المؤمنين حال كونه مخرجا لهم بالهداية وحال كونهم مخرجين بالاهتداء وفي ذلك ملاحظة أخرى لقاعدة أصولية وهي استعمال المشترك في معنييه‏.‏

مسألة‏:‏

في قوله تعالى ‏(‏كلوا مما في الأرض حلالا طيبا‏)‏ هل يصح نصب حلالا على التمييز‏.‏

الجواب‏:‏

لا يصح بل هو حال أو مفعول به‏.‏

سورة آل عمران

مسألة‏:‏

المسؤول من صدقاتكم فسح الله في أجلكم بيان معنى قول الإمام البيضاوي في تفسير سورة آل عمران عند قوله تعالى ‏(‏بيدك الخير إنك على كل شيء قدير‏)‏ ذكر الخير وحده لأنه المقضى بالذات والشر مقضى بالعرض إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرا كليا بيانا شافيا‏.‏

الجواب‏:‏

لا شك أن الشرائع كلها متفقة على النظر إلى جلب المصالح ودرء المفاسد وكذا أحكام القضاء والقدر جارية على سنن ذلك وإن خفي وجه ذلك على الناس في كثير منها ولهذا ورد في الحديث لا تتهم الله على نفسك فإذا علم ذلك ومن المعلوم أن الله قدر الخير والشر كان مظنة أن يقول قائل كيف قدر الشر وهو خلاف ما علم نظره إليه شرعا وقدرا وهذه هي الشبهة التي تمسك بها المعتزلة، والجواب أن الشر اليسير إذا كان وسيلة إلي خير كثير كان ارتكابه مصلحة لا مفسدة ألا ترى أن الفصد والحجامة وشرب الدواء الكريه وقطع السلعة ونحوها من الأمور المؤلمة لكونه وسيلة إلى حصول الصحة حسن ارتكابه في مقتضى الحكمة ويعد خيرا لا شرا وصحة لا مرضا لاستلزامه ذلك فكذلك كلما قضاه الله من الشر فإنما قضاه بحكمة بالغة وهو وسيلة إلى خير أعظم وأعم نفعا ولهذا ورد لا تكرهوا الفتن فإن فيها حصاد المنافقين وورد لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب العجب فتقدير الذنوب وإن كان شرا فليست لكونها مقصودة في نفسها بل لغيرها وهو السلامة من داء العجب التي هي خير عظيم، قال بعض المحققين ولهذا قيل يا من إفساده إصلاح يعني أن ما قدره من المفاسد فلتضمنه مصالح عظيمة اغتفر ذلك القدر اليسير في جنبها لكونه وسيلة إليها، وما أدى إلى الخير فهو خير فكل شر قدره الله لكونه لم يقصد بالذات بل بالعرض لما يستلزمه من الخير الأعظم يصدق عليه بهذا الاعتبار أنه خير فدخل في قوله بيدك الخير فلذا اقتصر عليه في وجه أنه شامل لما قصد أصلا ولما وقع استلزاما وهذه من مسألة ليس في الإمكان أبدع مما كان التي قررها الغزالي وألفنا في شرحها كتاب تشييد الأركان فلينظره من أراد البسط والله أعلم‏.‏

مسألة‏:‏

في قوله تعالى ‏(‏ولله على الناس حج البيت‏)‏ كيف أضاف الحج إلى البيت والمضاف غير المضاف إليه ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم الحج عرفة‏.‏

الجواب‏:‏

كيف تسأل عن هذا ومن شأن المضاف أبدا أن يكون غير المضاف إليه إلا إضافة البيان وهذه الإضافة في الآية من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، وأما حديث الحج عرفة فعلى حذف مضاف والتقدير معظم أفعال الحج وقوف عرفة‏.‏

فأعاد السائل السؤال‏:‏ يحيط علم سيدنا ومولانا أنه إذا كان معظم أفعال الحج يكون بعرفة فما الحكمة في إضافة الحج إلى البيت دون غيره‏.‏

فأجبت‏:‏ البيت هو المقصود بالذات فأضيف الحج إليه قال تعالى ‏(‏جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس‏)‏، وقال سبحانه ‏(‏وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا‏)‏ وقال ‏(‏إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا‏)‏ فالآيات والأحاديث دلت على أن البيت هو المقصود الأعظم وهو أشرف من عرفة وسائر البقاع إلا القبر الشريف النبوي فأضيف الحج إليه لأنه المعظم فوق عرفة وأما قوله صلى الله عليه وسلم الحج عرفة فاعتبار آخر وذلك لأنه سيق لبيان ما يعتنى الحاج بحصوله خوف فوات الحج فإن وقوف عرفة مقدر بزمان مخصوص وهو من زوال الشمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم العيد فمن لم يدرك الوقوف في لحظة من هذا الزمان فاته الحج بخلاف الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة والحلق التي هي بقية أركان الحج فإنها لا تفوت أصلا ولا تتقيد بوقت بل هي مطلقة متى فعلت أجزأت فلهذا قال الحج عرفة أي الأمر الذي يحصل به إدراك الحج أو فواته وقوف عرفة فمن أدركه أدرك الحج ومن فاته الحج فهذه إضافة اعتبارية وقوله حج البيت إضافة حقيقية فافهم الفرق بين الإضافتين‏.‏

مسألة‏:‏

في قوله تعالى ‏(‏يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين‏)‏ ما السمة التي كانت عليهم، وهل كان للنبي صلى الله عليه وسلم عذبة فإن الشيخ مجد الدين الشيرازي نقل في شرح البخاري أنه كان له عذبة طويلة نازلة بين كتفيه وتارة على كتفه وانه ما فارق العذبة قط وأنه قال خالفوا اليهود ولا تصمموا فإن تصميم العمامة من زي أهل الكتاب وأنه قال أعوذ بالله من عمامة صماء فهل هذه الأحاديث صحيحة وما على من علم أن العذبة سنة وتركها مستنكفا عنها وهل إذا اقتدى الشخص برسول الله صلى الله عليه وسلم في العذبة وحصل له الخيلاء يحرم عليه أم لا وهل يجوز أن يقال إن الأحاديث كلام الله‏.‏

الجواب‏:‏

أما السمة التي كانت عليهم فروى ابن أبي حاتم في تفسيره بأسانيد عن علي وابن عباس ومجاهد أنها الصوف الأبيض في نواصي خيولهم وأذنابها وروي عن أبي هريرة بالعهن الأحمر وروي عن مكحول وغيره أنها العمائم وروي من طريق وكيع عن هشام بن عروة عن يحيى بن عباد أن الزبير كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجرا بها فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر، ورواه ابن المنذر من طريق هشام عن عباد بن حمزة وزاد في آخره مثل سيما الزبير، وروى الطبراني في الكبير عن ابن عباس قال كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها إلى ظهورهم، وفي إسناده عمار بن أبي مالك ضعفه الأزدي، وروي أيضا عن عروة قال نزل جبريل عليه السلام يوم بدر على سيما الزبير وهو معتجر بعمامة صفراء وهو مرسل صحيح الإسناد، وروي أيضا عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله مسومين قال معلمين وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود، وفي إسناده عبد القدوس بن حبيب وهو متروك، وروى ابن جرير بإسناد حسن عن أبي أسيد الساعدي وهو بدري قال خرجت الملائكة يوم بدر في عمائم صفر قد طرحوها بين أكتافهم‏.‏ فالذي صح من هذه الروايات في العمائم أنها صفر مرخاة بين الأكتاف، ورواية البيض والسود ضعيفة‏.‏ والاعتجار لف العمامة على الرأس قاله في الصحاح‏.‏ وأما العذبة فوقفت فيها على عدة أحاديث من لبس النبي صلى الله عليه وسلم وإلباسه وليس فيها طويلة‏:‏ الأول عن عمرو بن حريث قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه رواه مسلم وأبو داود، الثاني عن ابن عمر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه قال نافع وكان ابن عمر يفعل ذلك رواه الترمذي في الشمائل، الثالث عن عبد الرحمن بن عوف قال عممني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسدلها بين يدي ومن خلفي رواه أبو داود، الرابع عن عائشة قالت عمم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف وأرخى له أربع أصابع رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه مقدام بن داود وهو ضعيف، الخامس عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتم أرخى عمامته بين يديه ومن خلفه رواه في الأوسط وفيه الحجاج بن رشد ضعيف، السادس عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم عمم عبد الرحمن بن عوف فأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوها ثم قال هكذا فاعتم فإنه أعرب وأحسن رواه في الأوسط وإسناده حسن، السابع عن أبي عبد السلام قال قلت لابن عمر كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتم قال كان يدير كور العمامة على رأسه ويغرزها من ورائه ويرسلها بين كتفيه رواه الطبراني في الكبير وإسناده على شرط الصحيح إلا أبا عبد السلام وهو ثقة، الثامن عن أبي موسى أن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وعليه عمامة سوداء قد أرخى ذؤابتها من ورائه رواه في الكبير وفيه عبد الله بن تمام وهو ضعيف، التاسع عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم بالعمائم فإنها سيما الملائكة وأرخوها خلف ظهوركم رواه في الكبير وفيه علي بن يونس وهو مجهول، العاشر عن أبي إمامة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يولي واليا حتى يعممه ويرخي لها من جانبه الأيمن نحو الأذن رواه في الكبير وفيه جميع بن ثوب متروك، الحادي عشر عن عبد الله بن بسر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا إلى خيبر فعممه بعمامة سوداء ثم أرسلها من ورائه أو قال على كتفه رواه في الكبير وإسناده حسن، الثاني عشر عن عائشة قالت‏:‏ عمم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف بفناء بيتي هذا وترك من عمامته مثل ورق العشر ثم قال رأيت أكثر الملائكة معتمين أخرجه ابن عساكر‏.‏ هذا ما حضرني الآن من الأحاديث فيها فقول الشيخ مجد الدين كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عذبة صحيح وقوله طويلة لم أره لكن يمكن أن يؤخذ من أحاديث إرخائها بين الكتفين، وقوله بين كتفيه صحيح كما تقدم، وقوله وتارة على كتفه لم أقف عليه من لبسه لكن من إلباسه كما تقدم في تعميمه عبد الرحمن بن عوف وعليا، وقوله ما فارق العذبة قط لم أقف عليه في حديث بل ذكر صاحب الهدي أنه كان يعتم تارة بعذبة وتارة بلا عذبة‏.‏

وأما حديث خالفوا اليهود إلى آخره وحديث أعوذ بالله من عمامة صماء فلا أصل لهما ومن علم أنها سنة وتركها استنكافا عنها أثم أو غير مستنكف فلا، قال النووي في شرح المذهب يجوز لبس العمامة بإرسال طرفها وبغير إرساله ولا كراهة في واحد منهما ولم يصح في النهي عن ترك إرسالها شيء وإرسالها إرسالا فاحشا كإرسال الثوب فيحرم للخيلاء ويكره لغير الخيلاء لحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏الإسبال في الازار والقميص والعمامة من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة‏"‏ رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح، وأما إذا اقتدى الشخص به صلى الله عليه وسلم في عمل العذبة وحصل له ضمن ذلك خيلاء فدواؤه أن يعرض عنه ويعالج نفسه على تركه ولا يوجب ذلك ترك العذبة فإن لم يزل إلا بتركها فليتركها مدة حتى يزول لأن تركها ليس بمكروه وإزالة الخيلاء واجبة، وأما هل يجوز أن يقال الأحاديث كلام الله فنعم بمعنى أنها من عند الله قال تعالى‏:‏ ‏(‏وما ينطق عن الهوى إن هو إلاَّ وحي يوحى‏)‏ وروى أبو داود وابن حيان في صحيحه من حديث المقدام بن معدي كرب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا إني أوتيت الكتاب وما يعدله فرب شبعان على أريكته يحدث بحديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله ما كان فيه من حلال استحللناه وما فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله، وروى أبو داود من حديث العرباض بن سارية نحوه وفيه ألا إني أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها بمثل القرآن أو اكثر، وأصرح من ذلك في المطلوب ما رواه أحمد عن أبي أمامة الباهلي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي مثل الحيين ربيعة ومضر فقال رجل يا رسول الله وما ربيعة ومضر فقال‏:‏ إنما أقول ما أقول وإسناده حسن، وقال حسان بن عطية كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل بالقرآن أخرجه الدارمي بإسناد صحيح عنه وهو شامي ثقة من صغار التابعين ولذلك شواهد كثيرة استوعبتها في القطعة التي كتبتها على سنن ابن ماجة وفيما ذكرناه كفاية‏.‏

مسألة‏:‏

ما وجه عطف قوله تعالى ‏(‏وكفر عنا سيئاتنا‏)‏ على قوله ‏(‏فاغفر لنا ذنوبنا‏)‏ مع أن الذنوب بمعنى السيئات‏.‏

الجواب‏:‏

فيه أوجه أحدها أن المراد بالذنوب الكبائر وبالسيئات الصغائر ويؤيد هذا أن التكفير إنما يكون في الصغائر كما في الأحاديث الصحيحة، الثاني أن المراد بالذنوب ما قدموه قبل الإسلام وبالسيئات ما يحدث بعد الإسلام، الثالث أن المراد بالذنوب ترك الطاعات وبالسيئات فعل المعاصي، الرابع أن المراد بهما شيء واحد وأنه من باب عطف المترادفين كقوله‏:‏ والفى قولها كذبا ومينا‏.‏

سورة النساء

مسألة‏:‏

في قوله تعالى ‏(‏وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا‏)‏ ما فائدة قوله ضعافا مع أن ذرية يغنى عنه فإن الذرية هم الصغار‏.‏

الجواب‏:‏

أما من حيث التفسير فإن ابن عباس رضي الله عنهما فسر الذرية في الآية بالأولاد ذكورا كانوا أو إناثا وفسر قوله ضعافا أي صغارا فعلم أن الذرية شامل للأولاد مطلقا كيف كانوا وتخصيصهم في الآية بالصغار من الوصف أعني صغارا، وقال الراغب في مفردات القرآن الذرية أصلها الصغار من الأولاد وإن كان قد يقع على الصغار والكبار معا في التعارف هذا لفظه وهذا قول آخر فرق فيه بين اللغة والعرف والأول أصح لأن القرآن ناطق بإطلاق الذرية على الكبار والصغار في قوله تعالى ‏(‏ذرية من حملنا مع نوح‏)‏ وقوله ‏(‏قال ومن ذريتي‏)‏ وقوله ‏(‏ومن ذريتنا أمة مسلمة لك‏)‏ فدل ذلك على أن إطلاقه عليهما من حيث اللغة أيضا وقال تعالى ‏(‏إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض‏)‏ وقال جماعة الذرية تطلق على الأولاد وعلى الآباء أيضا قال صاحب نظم القرآن الذرية تقال للواحد والجمع وللأصل والنسل ومنه قوله تعالى ‏(‏وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون‏)‏ أي آباءهم، وقال الزملكاني في أسرار التنزيل الذرية كما تطلق على الأولاد تطلق على الآباء لأن الأب ذرئ من الولد أي خلق فكان ذرية لولده كما أن الولد ذرئ من أبيه قال ومن استعمالها في الآباء قوله تعالى ‏(‏وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون‏)‏ أي آباءهم قال ومنه قوله تعالى ‏(‏ذرية بعضها من بعض‏)‏ جعل آدم ومن ذكر معه ذرية للأنبياء انتهى‏.‏

مسألة‏:‏

ما صرح الفقهاء فيه بأنه حرام استنادا لما نطق القرآن الكريم فيه بالحرمة كآية ‏(‏حرمت عليكم أمهاتكم، حرمت عليكم الميتة‏)‏ إلى غير ذلك هل الحرمة فيه لعينه أم لمعنى آخر حكوا في ذلك خلافا وحينئذٍ فالقائل بأن المحرم معين هل يقول إن حد الحكم بأنه خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين إلى آخره قيد الأفعال فيه لا مفهوم له أو معتبر لابد منه لإخراج ما احترزوا عنه به ممالا يسمى حكما وحينئذٍ فكيف معلق الحكم بالعين كما ذهب إليه من ذهب‏.‏

الجواب‏:‏

الخلاف في أن التحريم والتحليل هل هما من صفات الأفعال أو من صفات الأعيان شهير حكاه خلائق منهم القاضي أبو بكر الباقلاني في التقريب وحكاه من المتأخرين السبكي وزيف القول الثاني جدا حتى قال إنه قال به من لا تحقيق عنده، وحكاه ولده الشيخ تاج الدين وقال إن القول بأنهما من صفات الأفعال أصلنا والقول بأنهما من صفات الأعيان قول بعض المعتزلة وهو قول باطل- هذه عبارته، وذكر والده أن فائدة الخلاف تظهر في فروع فقهية منها ما لو كان بيد شخص مال مغصوب فأعطاه لآخر وهما جاهلان بالغصب ظانان أنه ملكه فإن قلنا التحريم من صفات الأفعال لم يوصف هذا المال بأنه حرام وإن قلنا من صفات الأعيان وصف به، ومنها قتل الخطأ يوصف بالتحريم على قول الأعيان دون الأفعال، وذكر ولده الشيخ تاج الدين له فوائد أصولية منها أن نحو حرمت عليكم أمهاتكم لا إجمال فيه قطعا على قول الأعيان ويجري فيه الخلاف على قول الأفعال وأما حد الحكم المذكور فإنه ماش على القول الصواب دون القول المزيف ومن يقول بالمزيف يحتاج في الحد إلى عبارة تناسب مذهبه هذا آخر الجواب، ثم إن قول السائل هل الحرمة فيه لعينه أم لمعنى آخر عبارة ملبسة فإن لنا مسألتين مسألة تعلق الحكم بالأفعال أو بالأعيان وهذه مطردة في كل تحريم وتحليل ومسألة إذا قلنا تتعلق بالأفعال ففي بعض الصور يجري فيها خلاف هل التحريم للعين أو الذات أو لمعنى خارج كما قيل في استعمال أواني النقدين وهذه غير مطردة في كل تحريم فأول السؤال يوهم أنه عن هذه المسألة وآخره يوهم أنه عن الأولى‏.‏

سورة الأعراف

مسألة‏:‏

في قوله تعالى ‏(‏إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام‏)‏ هل كانت الأيام ثم موجودة قبل خلق السماوات والأرض وهل كانت لها ثم أمور تعرف بها أو في الآية شيء مقدر‏.‏

الجواب‏:‏

الذي وضح لي بعد الاجتهاد والنظر في الأدلة والتمهل أياما حتى أعطيت النظر حقه أن خلق السماوات والأرض وخلق الأيام كانت دفعة واحدة من غير تقديم أحدهما على الآخر، وذكر الأدلة على ذلك يطول ولكن نذكر شيئا مختصرا وذلك أنه روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏خلق الله التربة‏"‏ وفي لفظ‏:‏ ‏"‏الأرض يوم السبت والجبال يوم الأحد والشجر يوم الاثنين والمكروه يوم الثلاثاء والنور يوم الأربعاء والدواب يوم الخميس وآدم يوم الجمعة‏"‏ فهذا يدل على خلق هذه الأشياء في هذه الأيام المسماة بعينها، وروى ابن جرير وابن المنذر في تفسيريهما عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا إن الله كان عرشه على الماء لم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماءا ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يوم الأحد والاثنين وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يوم الثلاثاء والأربعاء ثم استوى إلى السماء ففتقها فجعلها سبع سموات في يوم الخميس والجمعة وأوحى في كل سماء أمرها خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها فهذا الأثر أيضا صريح في أن الأيام التي خلقت فيها السماوات والأرض هي هذه المسماة بعينها وهو المعتمد في أن الابتداء يوم الأحد لا يوم السبت لأحاديث أخر كثيرة دلت على ذلك وحديث مسلم أعله الحفاظ وصوبوا وقفه على كعب وإنما ذكرته للقدر المشترك فيه وهو أن الخلق وقع في الأيام المسماة المعهودة وقد دل الأثر الذي سقناه على أمر آخر وهو أن الأيام لم يتقدم خلقها لقوله لم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء ثم ذكر خلق الأرض والسماء وفتقهما، وروى ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس أنه سئل عن الليل كان قبل أم النهار قال الليل ثم قرأ ‏(‏إن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما‏)‏ فهل تعلمون كان بينهما إلا ظلمة فهذا يدل على أنه لم يكن قبل خلق الأرض نهار ولا أيام، وروى ابن عساكر عن ابن عباس قال أول ما خلق الله الأحد فسماه الأحد فهذه الأدلة الأربعة إذا ركبت مع بعضها أنتجت للمجتهد أن خلق الأيام وقع مقارنا لخلق الأرض والسماوات لا متقدما ولا متأخرا وأن الأيام المذكورة في قوله تعالى ‏(‏خلق السماوات والأرض في ستة أيام‏)‏ هي أول أيام خلقت في الدنيا‏.‏

مسألة –

يا عالم العصر لا زالت أناملكم *** تهي وجودكم نام مدى الزمن

لقد سمعت خصاما بين طائفة *** من الأفاضل أهل العلم واللسن

في الأرض هل خلقت قبل السماء وهل *** بالعكس جا أثر يا نزهة الزمن

فمنهم قال إن الأرض منشأة *** بالخلق قبل السما قد جاء في السنن

ومنهم من أتى بالعكس مستندا *** إلى كلام إمام ماهر فطن

أوضح لنا ما خفى من مشكل وأبن *** نجاك ربك من وزر ومن محن

ثم الصلاة على المختار من مضر *** ما حي الضلالة هادي الخلق للسنن

الجواب –

الحمد لله ذي الأفضال والمنن *** ثم الصلاة على المبعوث بالسنن

الأرض قد خلقت قبل السماء كما *** قد نصه الله في حم فاستبن

ولا ينافيه ما في النازعات أتى *** فدحوها غير ذاك الخلق للفطن

فالحبر أعنى ابن عباس أجاب بذا *** لما أتاه به قوم ذوو لسن

وابن السيوطي قد خط الجواب لكي *** ينجو من النار والآثام والفتن

مسألة‏:‏

في قوله تعالى ‏(‏خلق الله السماوات‏)‏ هل السماوات مفعول به أو مفعول مطلق‏.‏

الجواب‏:‏

هو مفعول مطلق ومن أعربه مفعولا به فقد غلطه المحققون منهم ابن الحاجب في أماليه وابن هشام في مغنيه ووجهوه بأمور منها أن المفعول به ما كان موجودا قبل الفعل الذي عمل فيه ثم أوقع الفاعل به فعلا والمفعول المطلق ما كان الفعل العامل به هو فعل إيجاده، قال ابن هشام والذي غر النحويين في هذا أنهم يمثلون الفعل المطلق بأفعال العباد وهم إنما يجرى على أيديهم إنشاء الأفعال لا الذوات فتوهموا أن المفعول المطلق لا يكون إلا حدثا ولو مثلوا بأفعال الله تعالى لظهر لهم أنه لا يختص بذلك لأنه سبحانه موجد للأفعال وللذوات جميعا قال وكذا البحث في أنشأت كتابا وعمل فلان خيرا وآمنوا وعملوا الصالحات هذا ما ذكره ابن هشام، وقد رأيت للشيخ تقي الدين السبكي في هذه المسألة بخصوصها تأليفين نفيسين أحدهما مطول سماه التهدي إلى معنى التعدي أتى فيه بنفائس وغرائب ثم لخصه في كتاب أخصر منه سماه بيان المحتمل في تعديه عمل قال فيه في توجيه ما ذكرناه المفعول به هو محل الفعل ومن ضرورة قولنا مفعول به أن يكون المفعول غيره فزيدا في ضربت زيدا مفعول به لأنه في محل الفعل وأما الفعل وأما المفعول الذي أوجده الفاعل فالضرب وهو المفعول المطلق وكذا نحو خلق الله السماوات وعملت صالحا السماوات والصالح هو نفس المفعول لا محل الفعل والمفعول غيره فهو مطلق بمعنى أن ما سواه من المفاعيل مقيد وهو نفس المفعول المطلق أي المجرد عن القيود وهو الصادر عن الفاعل وهو نفس فعله قال وإنما سرى الغلط من ظن أن المفعول المطلق شرطه أن يكون مصدرا وليس كذلك فليس كل مفعول مطلق مصدرا - هذا كلام السبكي‏.‏

مسألة‏:‏

في قوله تعالى ‏(‏أيان مرساها‏)‏ ما إعرابه‏؟‏

الجواب‏:‏

أيان خبر مقدم ومرساها مبتدأ مؤخر‏.‏

سورة براءة

مسألة‏:‏

في قوله تعالى ‏(‏ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره‏)‏ هل يفسر القيام هنا بزيارة القبور وهل يستدل بذلك على أن الحكمة في زيارته صلى الله عليه وسلم قبر أمه أنه لإحيائها لتؤمن به بدليل أن تاريخ الزيارة كان بعد النهي‏.‏

الجواب‏:‏

المراد بالقيام على القبر الوقوف عليه حالة الدفن وبعده ساعة ويحتمل أن يعم الزيارة أيضا أخذا من الإطلاق، وتاريخ الزيارة كان قبل النهي لا بعده فإن الذي صح في الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم زارها عام الحديبية والآية نازلة بعد غزوة تبوك ثم الضمير في منهم خاص بالمنافقين وإن كان بقية المشركين يلحقون بهم قياسا وقد صح في حديث الزيارة أنه استأذن ربه في ذلك فأذن له وهذا الأذن عندي يستدل به على أنها من الموحدين لا من المشركين كما هو اختياري، ووجه الاستدلال به أنه نهاه عن القيام على قبور الكفار وأذن له في القيام على قبر أمه فدل على أنها ليست منهم وإلا لما كان يأذن له فيه واحتمال التخصيص خلاف الظاهر ويحتاج إلى دليل صريح فإن قلت استئذانه يدل على خلافه وإلا لزارها من غير استئذان قلت لعله كان عنده وقفة في صحة توحيد من كان في الجاهلية حتى أوحي إليه بصحة ذلك‏.‏

سورة يونس

مسألة‏:‏

في قوله تعالى ‏(‏أمن لا يهدي‏)‏ ما أصل هذه الكلمة وماضيها وما اعلالها وهل إعلالها جار على الأصل‏.‏

الجواب‏:‏

أصل يهدى يهتدي قلبت التاء دالا لتدغم فصار يهددى ثم سكنت لذلك فنقلت حركتها وهي الفتحة إلى الهاء قبلها وأدغمت فصار يهدى، قال أبو البقاء‏:‏ ونظير ذلك قوله تعالى ‏(‏يكاد البرق يخطف أبصارهم‏)‏ فيمن قرأ بفتح الياء والخاء والطاء المشددة قال فالأصل يختطف قلبت التاء طاءا وأدغمت في الطاء ونقلت حركتها إلى الخاء وأما الماضي فهدى والأصل اهددى قلبت التاء دالا فصار اهتددى ونقلت حركتها إلى الهاء فاستغنى عن همزة الوصل فحذفت وأدغمت الدال في الدال فصارت هدى وهذا الإعلال جار على الأصل وليس بخارج عن القياس كما نص عليه علماء التصريف فإن فاء الافتعال تدغم في أحرف معروفة منها الدال وقد مثل لذلك الجار بردى بقراءة مردفين والأصل مرتدفين قلبت التاء دالا فصار مرددفين ثم نقلت حركة الدال إلى الراء وأدغمت في الثانية‏.‏

سورة هود

مسألة‏:‏

قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏شيبتني هود وأخواتها‏"‏ ما المراد بأخواتها‏.‏

الجواب‏:‏

المراد بهن سورة الواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت كذا ثبت مفسرا في حديث الترمذي والحاكم زاد الطبراني في رواية والحاقة، زاد ابن مردويه في أخرى هل أتاك حديث الغاشية، زاد ابن سعد في أخرى القارعة وسأل سائل وفي أخرى اقتربت الساعة‏.‏

سورة يوسف

مسألة‏:‏

ما قول حاو لتنبيه لبهجته *** در نفيس صحيح يخطف البصرا

بروضة أظهر المنهاج في ملأ *** محررا ولأرباب الذكا قمرا

في آية قرئت في يوسف علنا *** في وحي قرآننا هذا إليك جرى

وفي إشارات آيات الكتاب بها *** بتلك في آية تبدو لمن نظرا

هل الإشارة معناها الجميع وهل *** بأحسن القصص القرآن قد حصرا

وهل تنزل في صوم بأجمعه *** أو ليلة القدر أنزلنا كما ذكرا

وأهل كفر وتوحيد لهم رفق *** في النار إن عذبوا هل ذاك قد أثرا

لا زلت تجلو ظلام الجهل في زمن *** بكم زها ولإرشاد الأنام يرى

بكم شفا وبتوضيح العلوم سما *** لمسلم ولجمع الخلق قد شهرا

الجواب –

الحمد لله حمدا مثل ما أمرا *** ثم الصلاة على المختار من مضرا

إن الإشارة خصوها بما اشتملت *** عليه سورتها لا شك منحصرا

وليلة القدر فيها كان منزله *** إلى سماء الدنا جمعا كما أثرا

وأهل توحيده في النار يرتفقوا *** بموتهم فشعور منهم شعرا

وأهل كفر فمنهم ذو تشدده *** ومن يخفف عنه حسب ما ذكرا

دفع التعسف عن أخوة يوسف

مسألة‏:‏

في رجلين قال أحدهما إن أخوة يوسف عليه السلام أنبياء وقال الآخر ليسوا بأنبياء فمن أصاب

الجواب‏:‏

في أخوة يوسف عليه السلام قولان للعلماء والذي عليه الأكثرون سلفا وخلفا أنهم ليسوا بأنبياء أما السلف فلم ينقل عن أحد من الصحابة أنهم قالوا بنبوتهم- كذا قال ابن تيمية، ولا أحفظه عن أحد من التابعين وأما أتباع التابعين فنقل عن ابن زيد أنه قال بنبوتهم وتابعه على هذا فئة قليلة وأنكر ذلك أكثر الأتباع فمن بعدهم، وأما الخلف فالمفسرون فرق منهم من قال بقول ابن زيد كالبغوي ومنهم من بالغ في رده كالقرطبي والإمام فخر الدين وابن كثير ومنهم من حكى القولين بلا ترجيح كابن الجوزي ومنهم من لم يتعرض للمسألة ولكن ذكر ما يدل على عدم كونهم أنبياء كتفسيره الأسباط بمن نبئ من بني إسرائيل والمنزل إليهم بالمنزل إلى أنبيائهم كأبي الليث السمرقندي والواحدي ومنهم من لم يذكر شيئا من ذلك ولكن فسر الأسباط بأولاد يعقوب فحسبه ناس قولا بنبوتهم وإنما أريد بهم ذريته لا بنوه لصلبه كما سيأتي تحرير ذلك، قال القاضي عياض في الشفا أخوة يوسف لم تثبت نبوتهم وذكر الأسباط وعدهم في القرآن عند ذكر الأنبياء قال المفسرون يريد من نبئ من أبناء الأسباط فانظر إلى هذا النقل عن المفسرين من مثل القاضي، وقال ابن كثير أعلم أنه لم يقم دليل على نبوة أخوة يوسف وظاهر سياق القرآن يدل على خلاف ذلك ومن الناس من يزعم أنهم أوحى إليهم بعد ذلك وفي هذا نظر ويحتاج مدعى ذلك إلى دليل ولم يذكروا سوى قوله تعالى ‏(‏وما أنزل إلى إبراهيم إلى قوله والأسباط‏)‏ وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط كما يقال للعرب قبائل وللعجم شعوب فذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون ولكن كل سبط من نسل رجل من أخوة يوسف ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحى إليهم انتهى‏.‏ وقال الواحدي الأسباط من ولد إسحاق بمنزلة القبائل من ولد إسماعيل وكان في الأسباط أنبياء وقال في قوله تعالى ‏(‏ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب‏)‏ يعني المختصين بالنبوة منهم، وقال السمرقندي في قوله تعالى ‏(‏وما أنزل إلينا‏)‏ إلى قوله والأسباط السبط بلغتهم بمنزلة القبيلة للعرب وما أنزل على أنبيائهم وهم كانوا يعملون به فأضاف إليهم كما أنه أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم فأضاف إلى أمته فقال وما أنزل إلينا فكذلك الأسباط أنزل على أنبيائهم فأضاف إليهم لأنهم كانوا يعملون به وقال في قوله تعالى ‏(‏إنا أوحينا إليك‏)‏ إلى وقوله ‏(‏والأسباط‏)‏ هم أولاد يعقوب أوحى إلى أنبيائهم، ثم رأيت الشيخ تقي الدين بن تيمية ألف في هذه المسألة مؤلفا خاصا قال فيه ما ملخصه‏:‏ الذي يدل عليه القرآن واللغة والاعتبار أن أخوة يوسف ليسوا بأنبياء وليس في القرآن ولا عن النبي صلى الله عليه وسلم بل ولا عن أصحابه خبر بأن الله تعالى نبأهم وإنما احتج من قال إنهم نبئوا بقوله في آيتي البقرة والنساء ‏(‏والأسباط‏)‏ وفسر الأسباط بأنهم أولاد يعقوب، والصواب أنه ليس المراد بهم أولاده لصلبه بل ذريته كما يقال فيهم أيضا بنو إسرائيل وقد كان في ذريته الأنبياء فالأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من بني إسماعيل، قال أبو سعيد الضرير أصل السبط شجرة ملتفة كثيرة الأغصان فسموا الأسباط لكثرتهم فكما أن الأغصان من شجرة واحدة كذلك الأسباط كانوا من يعقوب ومثل السبط الحافد وكان الحسن والحسين سبطى رسول الله صلى الله عليه وسلم والأسباط حفدة يعقوب ذرارى أبنائه الاثنى عشر، وقال تعالى ‏(‏ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما‏)‏ فهذا صريح في أن الأسباط هم الأمم من بني إسرائيل كل سبطة أمة لا أنهم بنوه الاثنا عشر بل لا معنى لتسميتهم قبل أن تنتشر عنهم الأولاد أسباطا فالحال أن السبط هم الجماعة من الناس ومن قال الأسباط أولاد يعقوب لم يرد أنهم أولاده لصلبه بل أراد ذريته كما قال بنو إسرائيل وبنو آدم فتخصيص الآية ببنيه لصلبه غلط لا يدل عليه اللفظ ولا المعنى ومن ادعاه فقد أخطأ بينا والصواب أيضا أن كونهم أسباطا إنما سموا به من عهد موسى للآية المتقدمة ومن حينئذ كانت فيهم النبوة فإنه لا يعرف أنه كان فيهم نبي قبل موسى إلا يوسف ومما يؤيد هذا أن الله تعالى لما ذكر الأنبياء من ذرية إبراهيم قال ومن ذريته داود وسليمان الآيات فذكر يوسف ومن معه ولم يذكر الأسباط فلو كان أخوة يوسف نبئوا كما نبئ يوسف لذكروا معه وأيضا فإن الله يذكر عن الأنبياء من المحامد والثناء ما يناسب النبوة وإن كان قبل النبوة كما قال عن موسى ‏(‏ولما بلغ أشده الآية‏)‏ وقال في يوسف كذلك، وفي الحديث أكرم الناس أكرم ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبي من نبي من نبي فلو كانت اخوته أنبياء كانوا قد شاركوه في هذا الكرم وهو تعالى لما قص قصة يوسف وما فعلوا معه ذكر اعترافهم بالخطيئة وطلبهم الاستغفار من أبيهم ولم يذكر من فضلهم ما يناسب النبوة ولا شيئا من خصائص الأنبياء بل ولا ذكر عنهم توبة باهرة كما ذكر عن ذنبه دون ذنبهم بل إنما حكى عنهم الاعتراف وطلب الاستغفار ولا ذكر سبحانه عن أحد من الأنبياء لا قبل النبوة ولا بعدها أنه فعل مثل هذه الأمور العظيمة من عقوق الوالد وقطيعة الرحم وإرقاق المسلم وبيعه إلى بلاد الكفر والكذب البين وغير ذلك مما حكاه عنهم ولم يحك عنهم شيئا يناسب الاصطفاء والاختصاص الموجب لنبوتهم بل الذي حكاه يخالف ذلك بخلاف ما حكاه عن يوسف، ثم إن القرآن يدل على أنه لم يأت أهل مصر نبي قبل موسى سوى يوسف لآية غافر، ولو كان من أخوة يوسف نبي لكان قد دعا أهل مصر وظهرت أخبار نبوته فلما لم يكن ذلك علم أنه لم يكن منهم نبي فهذه وجوه متعددة يقوى بعضها بعضا‏.‏ وقد ذكر أهل السير أن أخوة يوسف كلهم ماتوا بمصر وهو أيضا وأوصى بنقله إلى الشام فنقله موسى‏.‏ والحاصل أن الغلط في دعوى نبوتهم حصل من ظن انهم هم الأسباط وليس كذلك إنما الأسباط ذريتهم الذين قطعوا أسباطا من عهد موسى كل سبط أمة عظيمة ولو كان المراد بالأسباط أبناء يعقوب لقال ويعقوب وبنيه فإنه أوجز وأبين واختير لفظ الأسباط على لفظ بني إسرائيل للإشارة إلى أن النبوة إنما حصلت فيهم من حين تقطيعهم أسباطا من عهد موسى- هذا كله كلام ابن تيمية والله أعلم‏.‏

سورة الحجر

مسألة –

ما القول يا عالم العصر الذي شهدت *** بفضله فرق الأعجام والعرب

في قول رب العلا فيما حكاه لنا *** في سورة الحجر عن قوم أولي نسب

مستثنيا في نجاة آل لوطهم *** بجمعهم يا أولي الأحلام والرتب

مستثنيا ثانيا في قوله امرأة *** مقررا أنها في غابر الحقب

ما حكم الأول والثاني وذكرهما *** في آية نسقا يفضى إلى السبب

ما الشأن فيه أبن لا زلت ترشدنا *** في المشكلات وما تبديه من عجب

أنا لك الله جنات النعيم إذا *** هال الحساب وظل الناس في كرب

ثم الصلاة على المختار من مضر *** حامي البرية ماحى الشرك والريب

وآله الغر والأصحاب ما طلعت *** شمس الضحى وحدا حاد على قتب

الجواب –

حمدا لمن أنزل القرآن بالعربي *** مفصل القول محضا غير ذي أشب

ثم الصلاة على المختار سيدنا *** محمد خير أهل العجم والعرب

إذا تكرر مستثنى نظرت إلى *** معناه يوصلك المعنى إلى الأرب

فحيث أمكن في كل لسابقه *** فاجعله منه بلا ريب ولا نصب

وهذه الآية الغراء منه فخذ *** فصل الخطاب وكن في الحرب ذا أهب

فأول مخرج من مجرمين عدوا *** لآل لوط فلا جرم لآل نبي

والثاني ينفى من الانجاء امرأته *** هذا الجواب عن الأشياخ والكتب

وابن السيوطي يرجو عفو خالقه *** وأن يكون بخير الخلق ذا سبب

سورة النحل

مسألة‏:‏

في قوله تعالى ‏(‏وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها‏)‏ هل المراد بها جنس النعمة أو النعمة الواحدة‏.‏

الجواب‏:‏

أكثر المفسرين على أن المراد بها الجنس وممن جزم به من أهل التدقيق الراغب في مفرداته ومحمود بن حمزة الكرماني في غرائبه، وقيل المراد أن النعمة الواحدة لو عد ما يتشعب عنها من النعم لم يحص، وهذا أدق معنى والأول أوفق لمراد الألفاظ وموارد اللغة‏.‏

سورة الإسراء

مسألة –

ماذا جواب إمام مفرد شهرت *** آياته كاشتهار الشمس والقمر

إذ لم يكن ثم من يحصى فضائله *** في العصر بل ليس ذا في قدرة البشر

فيما قرأناه في الاسرا وبان لنا *** معناه في محكم الآيات والسور

بأن لا شيء في الدنيا بأجمعها *** إلا يسبح في حمد لمقتدر

وقول أحمد طه حيث مر على *** قبرين قد عذبا في غاية الضرر

وشق غصنا رطيبا ثم أودع في *** كل نصيبا كما قد جاء في الأثر

وقال تسبيح هذا الغصن غايته *** يبسا يحل به ينفيه عن نظر

هل ذا يعارض آيات الكتاب إذا *** أو لا يعارضه يا منتهى وطري

جنات عدن لكم مأوى ومسكنكم *** يوم المعاد بقصر يانع نضر

ولا برحتم لحل المشكلات كما *** تأليفكم للهدى يسمو مدى الدهر

الجواب –

الحمد لله في الآصال والبكر *** ثم الصلاة على المختار من مضر

قد خصصت آية الأسرى بمتصف *** وصف الحياة كرطب الزرع والشجر

فيابس مات لا تسبيح منه كذا *** مازال عن موضع كالقطع للحجر

سورة الكهف

مسألة من حلب - قد وقع في تفسير القاضي البيضاوي موضع عسر فهمه في تفسير قوله تعالى في سورة الكهف ‏(‏ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله‏)‏ والاستثناء من النهي أي لا تقولن لأجل شيء تعزم عليه إني فاعله فيما يستقبل إلا بأن يشاء الله أي إلا ملتبسا بمشيئته قائلا إن شاء الله أي إلا وقت أن يشاء الله أن يقوله بمعنى أن يأذن لك ولا يجوز تعليقه بفاعل لأن استثناء اقتران المشيئة بالفعل غير سديد واستثناء اعتراضها دونه لا يناسب النهي انتهى‏.‏ والمقصود بيان ذلك، ويوضح ذلك قوله ولا يجوز تعليقه بفاعل لأن إلى آخره فإن هذا عسر فهمه على كثير من الناس‏.‏

الجواب‏:‏

سبب ذلك وجازة العبارة واختصارها، ويوضحه ما في عبارة ابن الحاجب حيث قال‏:‏ الوجه فيه أن يكون استثناء مفرغا كقولك لا تجيء إلا بإذن زيد ولا تخرج إلا عشية على أن يكون الأعم المحذوف حالا أو مصدرا وحذفت الباء من بأن يشاء الله أي إلا بذكر المشيئة وقد علم أن ذكر المشيئة المستصحبة في الأخبار عن الفعل المستقبل هي المشيئة المذكورة بحرف الشرط أو ما في معناه كقولك لأفعلن إن شاء الله أو بمشيئة الله وما أشبهها، قال وأما ما ذكر أنه متصل بقوله إني فاعل ففاسد إذ يصير المعنى إني فاعل بكل حال إلا في حال مشيئة الله فيصير المعنى النهي عن أن يقول إني فاعل إن شاء الله وهذا لا يقوله أحد‏.‏ انتهى‏.‏ وقد وضح بهذا معنى قول القاضي ولا يجوز تعليقه بفاعل لأن استثناء اقتران المشيئة بالفعل غير سديد، وهذا التعليل من زوائده على الكشاف أخذه من أمالي ابن الحاجب، وقول القاضي واستثناء اعتراضها دونه لا يناسب النهي هذا التعليل هو المذكور في الكشاف وعبارته لا بقوله إني فاعل لأنه لو قال إني فاعل كذا إلا أن يشاء الله كان معناه إلا أن تعترض مشيئة الله دون فعله وذلك ما لا مدخل فيه للنهي انتهى‏.‏ والحاصل أن القاضي علل إبطال تعلقه بقوله إني فاعل بأمرين‏:‏ أحدهما أنه يؤدي إلى النهي عن أن يقول إني فاعل إن شاء الله وذلك فاسد، والثاني أنه يؤدي إلى أن المعنى إني فاعل إلا أن يعترض المشيئة دون الفعل، وهذا القدر وإن كان صحيحا في نفسه إلا أنه لا مدخل للنهي فيه فلا يلتئم معه قوله ولا تقولن لشيء فبطل تعليق الاستثناء بقوله إني فاعل ويعين تعليقه بالنهي والأول من الأمرين ذكره ابن الحاجب ولم يذكره صاحب الكشاف فجمع القاضي بينهما كعادته في الجمع والإيجاز‏.‏

سورة طه

مسألة‏:‏

ما معنى قوله تعالى ‏(‏ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى‏)‏‏.‏

الجواب‏:‏

ليست هذه الآية في المسلم الذي حفظ القرآن ثم نسيه بل في الكافر، ومعنى نسيانه تركه الإيمان به والإعراض عنه فيحشر يوم القيامة أعمى كما قال تعالى ‏(‏ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما‏)‏ ولا يظن من ذلك سهولة نسيان القرآن فقد ورد الوعيد عليه في قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏من حفظ القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة أجذم‏"‏ رواه أبو داود‏.‏

سورة الفرقان

مسألة‏:‏

قوله تعالى ‏(‏وعادا وثمودا‏)‏ لم صرفت ثمود وفيها علتان مانعتان من الصرف العجمة والعلمية‏.‏

الجواب‏:‏

ليس في ثمود عجمة بل هو اسم عربي نص عليه أئمة اللغة منهم الجوهري في صحاحه، وكذا نص أهل التاريخ قاطبة على أن قبيلة ثمود من العرب لا من العجم ولهذه الصيغة اشتقاقات وتصاريف في كلام العرب وليس هذا شأن الأعجمي فليس فيه حينئذٍ إلا العلمية، ثم إن اعتبر اسما للقبيلة منع من الصرف للتأنيث مع العلمية وإن اعتبر اسما للأب أو الحي صرف لخلوه من علة ثانية‏.‏

سورة الشعراء

مسألة –

ماذا يقول إمام العصر من شهدت *** بفضله الخلق حتى شاع واشتهرا

في قصة المجتبى موسى الكليم ترى *** في قول خالقنا في سورة الشعرا

مخاطبا فأتيا فرعون تثنية *** قولا كذاك كما قد قيل معتبرا

إنا رسول إله العرش مفردة *** من غير تثنية تبدو لمن نظرا

هل الرسالة للاثنين مسندة *** أو واحد منهما يا ناظم الدررا

وإن تقولوا لكل ما دلالته *** أو واحد وحده والحال قد شهرا

وإن يكن لهما ماذا تقول إذا *** قد بلغت من قريب منهما وجرى

أثابك الله جنات النعيم كما *** ضاء الزمان بكم والغيث قد قطرا

الجواب –

الحمد لله حمدا ليس منحصرا *** ثم الصلاة على المختار من مضرا

موسى وهرون بالإرسال قد وصفا *** لما دعا باشتراك حيث سال جرى

أما تلوت بطه بعد أزري أشركه ويتلوه في أمري كما أثرا

وحيث أفرد في أنا رسول فلا *** إشكال عند لبيب خالط الكبرا

فمن قواعد هذا النحو أن فعو *** لا مع فعيل يجي لاثنين أو كثرا

سورة الأحزاب

مسألة‏:‏

في قوله تعالى ‏(‏إن المسلمين والمسلمات‏)‏ إلى قوله ‏(‏أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما‏)‏ هل الإعداد للمجموع أو لكل فرد فرد‏.‏

الجواب‏:‏

الإعداد في هذه الآية مرتب على المسلمين الموصوفين بكل ما ذكر في الآية من الصفات لا على كل فرد فرد من الصفات فالمعطوفات من عطف الصفة لا من عطف الذوات، والمراد بهم البالغون درجة الكمال من هذه الأمة، والمراد بالعد أكمل ما أعد بدليل تنكير مغفرة الدال على التعظيم وتنكير أجر الدال عليه أيضا ووصفه تعظيما وإذا قال الله لشيء عظيم فهو عظيم جدا لا يعبر عنه وذلك ابلغ ما أعد للمسلمين الذين لم يتصفوا بكل هذه الصفات أو ببعضها فإن أجرهم دون ذلك، هذا من حيث الاستنباط المأخوذ من قواعد العربية والمعاني وأما من حيث النقل عن العلماء فقد قال الغزالي في بعض كلامه إن الموعود في القرآن بالجنة لم يقع مرتبا على مجرد الإسلام أو الإيمان بل لم يقع فيه إلا مقرونا باشتراك انضمام الأعمال إليه ذكر ذلك في معرض الحث على الأعمال فهذا يدل على أن الأعمال الواقعة في هذه الآية كل منها جزء المحكوم عليه وليس كل منها محكوما عليه استقلالا، ويؤيده أيضا من حيث الاستنباط أنه لو كان كل فرد محكوما عليه استقلالا لزم الحكم على فرد من الأعمال كالصوم أو الصدقة المذكور في الآية مجردا عن الوصف المصدر به وهو الإسلام والإيمان وهو باطل قطعا وإذا بطل اللازم بطل الملزوم فإن قال قائل هذا مستثنى لا بد من اعتباره لما دل عليه من خارج قلنا والباقي أيضا دل على اعتبار مجموعه القواعد العربية والبيانية والسياق يرشد إليه والأحاديث الواردة في الحساب والوزن والتقاص إذا وقعت عليها بلفظها مع مراعاة قواعد الاستدلال وأساليب البيان وغير ذلك من الأمور المشترطة في الاجتهاد أنتجت للمجتهد أن الأعداد مرتب على المجموع لا على كل فرد فرد والله أعلم‏.‏

سورة سبأ

مسألة –

الحمد لله بارئ الخلق والنسم *** ومنزل الكتب للتبيين للأمم

ثم الصلاة على المبعوث من مضر *** محمد المصطفى الهادي من الظلم

وآله وصحاب ثم شيعته *** والتابعين بإحسان لأثرهم

ماذا تقول موالينا وسادتنا *** وقدوة الخلق للرحمن بالحكم

من مدحهم بكتاب الله منتظم *** بفاطر وسواها أي منتظم

أبقاهم الله في خير وفي دعة *** وفي ازدياد علوم فوق علمهم

هل جاز أن يقرأ الإنسان في سبأ *** منساته ويجر الهاء كالقسم

وهل يجازي بها بالياء إن ضممت *** بكسر زاي وضم الراء في الكلم

وهل هشام قرا في نص مذهبه *** عن ابن عامر ابراهام ملتزم

في سورة الحج أو في الأنبياء وما *** ترون فيمن قرأ هذا بلا كتم

وحالف بطلاق من حليلته *** بان ذا ليس من سبع على الأمم

الجواب – أما من قرأ منسأته بالجر فهو لاحن مخطئ غالط جاهل لأنها مفعول تأكل والمنسأة العصا، وأما ‏(‏وهل يجازى إلا الكفور‏)‏ ففيه قراءتان بضم الياء وفتح الزاي مبينا للمفعول ورفع الكفور نائبا عن الفاعل، وبضم النون وكسر الزاي مبنيا للفاعل ونصب الكفور مفعولا وليس فيه غير ذلك، وأما ابراهام في الحج والأنبياء فلم يرد من طريق التيسير والشاطبية لكن ابن الجزري ذكر في النشر أن عياشا روى عن ابن عامر أنه قرأ ابراهام في القرآن كله، وقد ذكر هو وغيره أن القراءات ليست منحصرة فيما في التيسير والشاطبية لكن أخشى أن تكون هذه الرواية من شواذ السبعة فقد ذكر السبكي وغيره أن عندهم شيئا كثيرا شاذا، وأما الحالف بالطلاق أن هذه القراءة ليست من السبع فأقول أن كان من المبتدئين في هذا الفن ممن أخذ بالتيسير والشاظبية فلا حنث عليه لأن مراده ليست من السبع من طريق هذين الكتابين اللذين عليهما الآن المعول فيمينه مخصوصة وإن كان من المتبحرين ممن أمكنه الإطلاع على ما في النشر فإنه يحنث إلا أن يصل إلى درجة الترجيح بحيث يترجح عنده شذوذ هذه الرواية وعدم إثباتها فلا يحنث حينئذٍ، وقلت في الجواب نظما‏:‏

الحمد لله ذي الإفضال والنعم *** ثم الصلاة على المبعوث للأمم

من قال في سبأ منساته وآتى *** بالجر فهو حمار قده باللجم

ومن قرأ هل نجازي نون أوله *** وكسر زاي فنصب الراء عنه نمي

وليس في الحج ابراهام واقتربا *** لا في القصيد ولا التيسير فاحتكم

لكن في النشر عن عياش يأثره *** عن ابن عامرهم يا طيب نشرهم

وحالف بطلاق إذ نفاه من السبع الجواب له التفصيل فارتسم

إن كان مبتدئا لا حنث يلحقه *** إذ نفيه بيمين وفق ظنهم

إذ المراد بنفي السبع من طرق *** أتت بتيسيرهم أو في قصيدهم

وإن يكن من علاة الفن يحنث لا *** إن كان مجتهدا يعلو لنفيهم

وابن السيوطي قد خط الجواب لكي *** ينجو غدا من سعير النار والضرم

سورة يس

مسألة‏:‏

ما معنى قوله تعالى ‏(‏وضرب لنا مثلا ونسي خلقه - الآية‏)‏‏.‏

الجواب‏:‏

روى الحاكم في المستدرك وصححه عن ابن عباس قال جاء العاصي ابن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل ففته فقال يا محمد أيبعث الله هذا بعد ما أرم قال ‏"‏نعم يبعث الله هذا ويميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم‏"‏ فنزلت الآيات ‏(‏أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين‏)‏ إلى آخر السورة، ومن هذا الحديث يعرف معنى الآية فالإنسان المذكور هو العاصي ابن وائل السهمي وهو أحد المستهزئين المذكورين في سورية الحجر قتل ببدر كافرا وضربه المثل بالعظم الرميم ونسي خلقه أولا من نطفة ولهذا قال تعالى ‏(‏قل يحييها الذي أنشأها أول مرة‏)‏ والقادر على الإنشاء قادر على الإعادة بل هي أهون‏.‏

سورة الصافات

القول الفصيح في تعيين الذبيح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد فقد وردت إلى فتوى في السيد إسحاق والسيد إسماعيل من الذبيح منهما والخلاف الوارد فيهما ما الأصح والراجح منه‏.‏ فأجبت الخلاف في الذبيح معروف مشهور بين الصحابة فمن بعدهم ولكل من القولين حجج أما القول بأنه إسماعيل فهو قول علي وابن عمر وأبي هريرة وأبي الطفيل وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي ويوسف بن مهران والحسن البصري ومحمد بن كعب القرظي وسعيد بن المسيب وابي جعفر الباقر وأبي صالح والربيع ابن أنس والكلبي وأبي عمرو بن العلاء وأحمد بن حنبل وغيرهم وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس، ورجحه جماعة خصوصا غالب المحدثين، وقال أبو حاتم الصحيح أنه إسماعيل وقال البيضاوي إنه الأظهر، وفي الهدي أنه الصواب عند علماء الصحابة والتابعين فمن بعدهم، قال وأما القول بأنه إسحاق فمردود بأكثر من عشرين وجها روى الحاكم في المستدرك وابن جرير في تفسيره والأموي في مغازيه والخلعي في فوائده من طريق إسماعيل بن أبي كريمة عن عمر ابن أبي محمد الخطابي عن العتبي عن أبيه عن عبد الله بن سعد عن الضابجي قال حضرنا مجلس معاوية رضي الله عنه فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق ابني إبراهيم أيهما الذبيح فقال بعض القوم إسماعيل وقال بعضهم بل إسحاق فقال معاوية على الخبير سقطتم كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أعرابي فقال يا رسول الله خلفت الكلأ يابسا والماء عابسا هلك العيال وضاع المال فعد على مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه فقال القوم من الذبيحان يا أمير المؤمنين قال إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل أمرها أن ينحر بعض بنيه فلما فرغ أسهم بينهم وكانوا عشرة فخرج السهم على عبد الله فأراد أن ينحره فمنعه أخواله بنو مخزوم وقالوا ارض ربك وافد ابنك ففداه بمائة ناقة قال معاوية هذا واحد والآخر إسماعيل، هذا حديث غريب وفي إسناده من لا يعرف حاله، وروى الإمام أحمد في مسنده من طريق حماد بن سلمة عن أبي عاصم الغنوي عن أبي الطفيل عن ابن عباس قال لما أمر إبراهيم بالمناسك عرض له الشيطان عند المسعى فسابقه فسبقه إبراهيم ثم ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات وثم تله للجبين وعلى إسماعيل قميص أبيض فقال له يا أبت ليس لي ثوب تكفيني فيه غيره فاخلعه حتى تكفنني فيه فعالجه ليخلعه فنودي من خلفه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا - الحديث بطوله في المناسك، ثم رواه أحمد من طريق حماد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكره إلا أنه قال إسحاق قال ابن كثير والأول أصح لأن أمور المناسك إنما وقعت لإبراهيم وإسماعيل، وروى أحمد أيضا عن سفيان عن منصور عن خاله مسافع عن صفية بنت شيبة قالت أخبرتني امرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة وقالت مرة أنها سألت عثمان لم دعاك النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ قال إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلين، قال ابن كثير هذا دليل مستقل على أن الذبيح إسماعيل فإن قريشا توارثوا قرني الكبش الذي فدى به إبراهيم خلفا عن سلف، وقال الشعبي قد رأيت قرني الكبش في الكعبة، وقال ابن جرير ثنا يونس أنا ابن وهب أخبرني عمرو بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال المفدى إسماعيل وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود وقال ابن إسحاق ذكر محمد بن كعب أن عمر بن عبد العزيز أرسل إلى رجل كان يهوديا فاسلم وحسن إسلامه وكان من علمائهم فسأله أي ابني إبراهيم أمر بذبحه فقال إسماعيل والله يا أمير المؤمنين وإن يود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب، وقال ابن كثير نص في التوراة أن إسماعيل ولد ولإبراهيم ست وثمانون سنة وولد إسحاق وله تسع وتسعون وعندهم أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده - وفي نسخة بكره - فأقحموا ههنا كذبا وحسدا ‏(‏إسحاق‏)‏ وحرفوا وحيدك بمعنى الذي ليس عندك غيره فإن إسماعيل كان بمكة، وهذا تحريف وتأويل باطل فإنه لا يقال وحيد إلا لمن ليس له غيره وأيضا فإن أول ولد له معزة ما ليست لمن بعده من الأولاد فالأمر بذبحه ابلغ في الابتلاء والاختبار ولأن الله تعالى قال بعد ذلك ‏(‏وبشرناه بإسحاق‏)‏ فدل على أن المأمور بذبحه غيره وقال ‏(‏فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب‏)‏ أي يولد له ولد يسمى يعقوب وذلك لا يتخلف فامتنع أن يؤمر بذبحه، قال ومن قال إنه إسحاق فإنما أخذه عن أهل الكتاب بلا حجة وليس فيه كتاب ولا سنة قال وقد ورد في ذلك حديث لو ثبت لقلنا به على الرأس والعين وهو وما رواه ابن جرير عن أبي كريب عن زيد بن حباب عن الحسن بن دينار عن على ابن زيد بن جدعان عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس ابن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الذبيح إسحاق، والحسن بن دينار متروك وشيخه منكر الحديث، وقد رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن مسلم بن إبراهيم عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد به مرفوعا، ثم رواه عن مبارك بن فضالة عن الحسن عن الأحنف عن العباس قوله وهذا أشبه واصح انتهى‏.‏ قلت قد رفعه مبارك مرة فرواه البزار في مسنده عن معمر بن سهل الأهوازي عن مسلم بن إبراهيم عن مبارك عن الحسن عن الأحنف عن العباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏الذبيح إسحاق‏"‏ وله شواهد أحدها ما أخرجه البزار عن أبي كريب عن زيد بن الحباب عن أبي سعيد عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف عن العباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال داود أسألك بحق آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب قال أما إبراهيم فالقي في النار فصبر في أجلي وتلك بلية لم تنلك وأما إسحاق فبذل نفسه للذبح فصبر من أجلي وتلك بلية لم تنلك وأما يعقوب فغاب يوسف عنه وتلك بلية لم تنلك، وأبو سعيد هو الحسن بن دينار ضعيف كما تقدم، وأخرج الديلمي في مسند الفردوس من طريق عبد الله بن محمد بن ناجية عن محمد بن حرب النسائي عن عبد المؤمن بن عباد عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن داود سأل ربه مسألة فقال اجعلني مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فأوحى الله إليه أني ابتليت إبراهيم بالنار فصبر وابتليت إسحاق بالذبح فصبر وابتليت يعقوب فصبر‏"‏‏.‏ الحديث الثاني ما أخرجه الدارقطني والديلمي في مسند الفردوس من طريقه عن محمد بن أحمد بن إبراهيم الكاتب عن الحسين بن فهم عن خلف بن سالم عن بهز بن أسد عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏الذبيح إسحاق‏"‏ الثالث ما أخرجه الطبراني في الكبير من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص قال افتخر رجل عند ابن مسعود وفي لفظ فاخر اسماء بن خارجه رجلا فقال أنا ابن الأشياخ الكرام فقال عبد الله ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله وهذا إسناد صحيح موقوف وروى أيضا عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكرم الناس قال يوسف بن إسحاق ذبيح الله وفي سنده بقية وهو مدلس وأبو عبيدة عن أبيه عبد الله منقطع، الرابع ما أخرجه الطبراني في الأوسط وابن أبي حاتم في تفسيره من طريق الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن الله خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي أو شفاعتي فاخترت شفاعتي ورجوت أن يكون أعم لأمتي ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لعجلت دعوتي إن الله لما فرج عن إسحاق كرب الذبح قيل له يا إسحاق سل تعطه قال أما والله لأتعجلنها قبل نزغات الشيطان اللهم من مات لا يشرك بك شيئا قد احسن فاغفر له، وعبد الرحمن ضعيف قال ابن كثير والحديث غريب منكر قال وأخشى أن يكون فيه زيادة مدرجة وهي قوله إن الله لما فرج إلى آخره، وإن كان محفوظا فالأشبه أن السياق عن إسماعيل وحرفوه بإسحاق، وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن القاسم قال اجتمع أبو هريرة وكعب فجعل أبو هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لكل نبي دعوة مستجابة وأني قد خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فقال كعب أفلا أخبرك عن إبراهيم إنه لما رأى ذبح ابنه إسحاق قال الشيطان إن لم أفن هؤلاء عند هذه لم افتنهم أبدا فخرج إبراهيم بابنه ليذبحه فذهب الشيطان فدخل على سارة فقال أين ذهب إبراهيم بابنك قالت غدا به لبعض حاجاته قال فإنه لم يغد به لحاجة وإنما ذهب به ليذبحه قالت ولم يذبحه قال زعم أن ربه أمره بذلك قالت قد أحسن أن يطيع ربه فذهب الشيطان في أثرهما فقال للغلام أين ذهب بك أبوك قال لبعض حاجاته قال فإنه لا يذهب بك لحاجة ولكنه يذهب بك ليذبحك قال ولم يذبحني قال يزعم أن ربه أمره بذلك قال فوا الله لئن كان الله أمره بذلك ليفعلن فتركه ولحق بإبراهيم فقال أين غدوت بابنك قال لحاجة قال فإنك لم تغد به لحاجة إنما غدوت به لتذبحه قال ولم أذبحه قال تزعم أن ربك أمرك بذلك قال فوا الله لئن كان الله أمرني بذلك لفعلن فتركه ويئس أن يطاع، وقد رواه ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب أن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد ابن حارثة الثقفي أخبره أن كعبا قال لأبي هريرة فذكره بطوله، وقال في آخره وأوحى الله إلى إسحاق إني أعطيتك دعوة استجيب لك فيها قال إسحاق اللهم إني أدعوك أن تستجيب لي أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئا فأدخله الجنة، وقال عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد أنا الليث بن خلد أبو بكر البلخي حدثنا محمد بن ثابت العبدي عن موسى بن أبي بكر عن سعيد بن جبير قال لما رأى إبراهيم في المنام ذبح إسحاق سار به من منزله إلى المنحر بمنى مسيرة شهر في غداة واحدة فلما صرف عنه الذبح وأمر بذبح الكبش ذبحه ثم راح به رواحا إلى نزله في عشية واحدة مسيرة شهر طويت له الأودية والجبال، وهذا القول نسبه القرطبي للأكثرين وعزاه البغوي وغيره إلى عمر وعلي وابن مسعود وجابر والعباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعبيد بن عمير وأبي ميسرة وزيد بن اسلم وعبد الله بن شقيق والزهري والقاسم بن يزيد ومكحول وكعب وعثمان بن حاضر والسدي والحسن وقتادة وأبي الهذيل وابن سابط ومسروق وعطاء ومقاتل وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس واختاره الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري وأجاب عن البشارة بيعقوب بأنه كان قد بلغ معه السعي أي العمل ومن الممكن أنه كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضا، وأما القرنان فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد الشام، وقال سعيد بن جبير سار به من الشام على البراق حتى آتى به منى في ليلة واحدة فلما صرف عنه الذبح سار به كذلك، وأخرج من طريق داود عن عكرمة عن ابن عباس في قوله وبشرناه بإسحاق نبيا قال بشر به نبيا حين فداه الله من الذبح ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده، وجزم بهذا القول القاضي عياض في الشفا والسهيلي في التعريف والإعلام وكنت ملت إليه في علم التفسير وأنا الآن متوقف في ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

سورة الفتح

مسألة‏:‏

قوله تعالى ‏(‏ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر‏)‏‏.‏

الجواب‏:‏

أحسن ما يجاب به عن الآية الكريمة أنه كنى بالمغفرة عن العصمة أي ليعصمك الله عن الذنب فيما تقدم من عمرك وما تأخر وقد نص غير واحد على أن المغفرة والعفو والتوبة جاءت في القرآن والسنة في معرض الإسقاط والترخيص وإن لم يكن ذنب ومنه قوله تعالى ‏(‏عفا الله عنك لم أذنت لهم‏)‏ عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق ‏(‏فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم - علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم‏)‏ أي رخص لكم ‏(‏علم أن لن تحصوه فتاب عليكم‏)‏ وقد ألفت في ذلك مؤلفا سميته ‏(‏المحرر في قوله تعالى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر‏)‏‏.‏

سورة الواقعة

مسألة‏:‏

قوله تعالى ‏(‏يطوف عليهم ولدان مخلدون‏)‏ هل الولدان من مخلوقات الدنيا أو من مخلوقات الجنة وهل هم طوال أو قصار وهل يتمتعون في الآخرة بالنساء‏.‏

الجواب‏:‏

الولدان من مخلوقات الجنة لا الدنيا وهم متفاوتون في الخلقة بالطول والقصر وكذلك الحور بخلاف أهل الجنة من البشر فإنهم سواء في الخلقة ولا يتمتع الولدان في الجنة بالنساء بل هم معدون لخدمة أهل الجنة‏.‏

سورة المجادلة

مسألة من حلب - وقع في تفسير البيضاوي في سورة قد سمع الله ‏(‏وللكافرين عذاب أليم‏)‏ قال القاضي وهو نظير قوله تعالى ‏(‏ومن كفر فإن الله غني عن العالمين‏)‏ فما وجه كونه نظيرا له‏.‏

الجواب‏:‏

وجه إيقاع لفظ الكفر موضع عدم الفعل فإنه هناك أوقع ومن كفر موضع ومن لم يحج وهنا أوقع وللكافرين موضع وللذين لا يقبلونها‏.‏